الخميس، 18 مارس 2010

الهمسة الرابعة والعشرون (الملعون)


الملعون




(1)

مسافر هو بين ابواب المدينه يدور حول اسوارها العالية يكرر ندائاته المستغيثه ويرفع كفيه متضرعا ، فيجيبه الصمت بلا مغفرة .

(2)

نبذه رهبان المعبد.. طردوه من مدينتهم لانه بلا فضيلة ، ورفض الركون إلي الرعاع لانه بلا رزيله ...فاصبح وطنه بين.. بين .

(3)

في نهاية الرحلة الأولي وجد نفسه عند بوابة البداية ، طرق رأسه في الجدار محاولا الانتحار بعد أن لفظته كل الأبواب ... فتخلخل الحجر ... نسي فكرة الانتحار لكنه مازل يطرق رأسه في الجدار كلما اتم دورته .

(4)

لقبوه بالملعون .. فسكن لعنته عندما أدرك أنه الفضيلة والرزيلة معا .. واتخذ من موضع قدمية موطنا ... وظل جسده مصداً علي ابواب المدينة يتلقي صفعات كل الرياح بوجه غير عابس ولم يعرف الابتسام .


تمت بفضل الله ،
شيماء زايد
الثلاثاء 16 مارس 210

الأربعاء، 10 مارس 2010

إشارة مرور ..ليست إشارة عادية




كلما أخبرني أحدهم أنني والحمد أصبحت عاقلة - من وجهة نظرهم - بتركي لصناع الحياة حيث انهم - أي اننا - لن نستطيع تغيير الكون ، افضل الكزّ علي اسناني وتلاوة كافة ادعية الاستغفار حتي لا انقض عليه او عليها.. ايا كان المصدر

الحقيقة ان صناعة الحياة هي تلك الفكرة الجامعة التي تناولها صلاح الراشد في كتابه صناعة الحياة

فانا صانعة حياة فكرا رغم انف الجميع ... أري أحدا يستنكر ويتسائل عن سبب تركي للجمعيه إذن ..البساطه لان صناعة الحياة ليست محصورة في جمعية صناع الحياة فأنا خارج الجمعية اكثر فاعليه من داخلها وهناك جيل آخر واعي قادر علي حمل الجمعيه اليوم

ولسوف نلتقي في نهاية الطريق قرب أهدافنا

لذلك فانا ادعو كافة محبين الفن والعمل وفعل التفكير داخل جمهورية مصر العربية لحضور حفل اشارة مرور :)

احتفال بمرور5سنوات علي تواجد جمعية صناع الحياة بالبحيرة

ويشرفني أن اكون بين مقاعد الحضور ॥اتذكر انني شاركت ولو ببعض المجهود في بناء هذا الصرح يوما ما

اوعدكم بحالة فنية وانسانية نادرة ...ومولد صوت جديد

فقط يوم 19 مارس (الجمعة)
على مسرح مجمع مبارك للثقافة والفنون بدمنهور
احصل على دعوتك فورااااا:
مقر صناع الحياة بالبحيرة
مسجد قباء بجوار معهد اللاسلكى ت / 0114650963ت / 0127129072

السبت، 6 فبراير 2010

الهمسة الثالثة والعشرين ( التحويلة )


التحويلة

لم يستمع يوما لكل العبارات التي تصفه بالجنون ، لم توقفه سيل اللعنات اليومي التي تصبه زوجته السليطة علي أذنيه .
كان عم ابراهيم يسير من الطريق العمومي وسط نظرات التشفي والشفقه ، وهمهمات وتهكمات الجميع ، ويمر بمحاذاة الترعة مداعبا فروع أشجار الصفصاف التي تهدلت في دلال تغتسل من المياه الراكدة ويعبر الجسر الضيق المبني من جذوع الأشجار وقطع الخشب البالية المصقولة بالطين ليستقر به المقام في الضفة الأخري علي قطعة الحجر التي ألفت جسمه
مسندا ظهره علي النخلة البور التي لم تسقط عليه رطبا قط ، معلقا بصره بالقضبان المثبتة في الأرض يتلفت من حين لآخر ينظر إلي اتجاة الظل وموضع الشمس .
كلما حان موعد قطار أسرع إلي ذراع التحويلة الصدأ ووجذبه ويعود ليسجل علامة علي الصفحة الترابية أسفل قدمه بعود الحطب اليابس
الذي يقلب به الجمرات تحت غلاي الشاي الذي إعتاد أن يشربه مع بعض لقيمات الخبز اليابس إن وجد
كثيرا ما ترددت عليه امرأته سكينة محاولة إثناءه عما يفعل ، صارخة في وجهه ..لاعنة التحويلة وعقله الخرب الذي يرفض الإقتناع بأن التحويلة آلية ، وما يفعله ليس سوي ضرب من الجنون ، وإن لم تكن آلية فمن أعطاه هذا الدور إذن ليحمل أعباءه !!
كانت تنهره وتتعالي صراخاتها طالبة منه أن يبحث عن عمل مجدي فقد تقرحت يداها وخارت قوها من التنظيف في بيوت القرية لإطعام الأفواه الجائعة ؛
فكان يجيبها حانقا ومن يتولي التحويلة ، كيف سيتغير مسار القطارات ، أرواح الناس يا عالم! .
ذات يوم كان صراخ امرأته يتردد صداه مدويا في بلدتنا أكثرت من إهانته وسبابه وهو لم يرد عليها قط ، كانت تلك المرة الأولي التي أري فيها عم إبراهيم منحنيا حتي كادت جبهته تلامس الأرض

ربت علي كتفه فإنزلقت دمعة من عينه رغما عنه
سألته
- ألم يكن ينبغي عليك العودة معها إلي البيت
- ما زلت أنتظر القطار القادم في آذان العشاء
- الوقت ما زال مبكرا بإمكانك أن تعود إلي البيت الآن وتعاود المجيء في موعد القطار
- الطل أرحم من صوت سكينه ، أحب أن ارح اذناي منها ومن صراخ الصغار
- لماذا لا تحاول أن تغير عملك ، فلتعمل في أي شيء آخر فالقضبان تتحول آليا
- لكنني لا أريد أي عمل آخر ... أفهم سكينه أنني خلقت لتحويل المسارات ، صدقني إن لم أغيرها لن تتغير
- إذن لا فائدة ، سوف أرسل لك بعض الطعام


ارسلت أحد الصبية بفطيرة وبيضتان لعم إبراهيم ، إلا أنه عاد مسرعا والفزع يكسو وجهه ليخبرني بأن عم إبراهيم سلم نفسه للقضبان التي يعشقها؛ إلتهمه القطار الذي طالما ظن أنه يتحكم به
وانطبعت أشلائه علي السكة الحديد ، اكتست القرية بالحداد لبضعة ساعات حزنا علي المجنون الذي أنهي حياته الغريبة فجأة .
إلا أنهم في اليوم التالي أقاموا سرادق عظيم وتنافسوا في إحضار المقرئين طالبين العفو من المبروك ؛ نفسه الذي كان يحيا بينهم بلقب المجنون
كل ذلك لأن قطار الصباح انحرف عن مساره ولم تتبدل التحويلة ، فكثر البكاء والنواح علي عم إبراهيم وزادت مصمصة الشفاه ، من سيتولي التحويلة من بعدك يا عم ابراهيم .. خسرناك يا مبروك ...
أما سكينة فقد جنت ثروة صغيرة من بيع اغراض المبروك لأهل القريه وكانت دائما ما تزوره وتطلب له الرحمه !



تمت بفضل الله

شيماء زايد

الأحد 31/1/२०१०

السادسه مساءا

الجمعة، 8 يناير 2010

همس من الواقع ( قصة نسر حقق حلمه...) أيمن يونس محمد



بدأت القصه عندما مر على وجودي بالأقصر إسبوعان كاملان,ووجدت نفسي منهمك في العمل حتى النخاع,ولا أعطي نفسي أي فرصه للراحه أو التفكير حتى لا أشعر بالوحده أو الإشتياق ,ولكن برغم كل هذا كان ينتابني شعورا دفينا أن هناك أشياءا كثيره تنقصني وأهمها هو العمل التطوعي الذي أصبح يجري في كياني مجرى الدم, حاولت كثيرا أن أجد جمعيه خيريه قريبه مني فلم أجد لم أكن أشترط أن تكون صناع أو غيرها فقط ابحث عن مكان للعمل التطوعي أخرج فيه بعض طاقاتي الحبيسه...ولكني لم أجد أو بمعنى أخر لم أجد جمعيه قريبه من محل أقامتي وتقوم بمشروعات جديه لا هزليه وأثناء هذا البحث الطويل تذكرت شيئا وهو ان اكثر ما يسعدني من هذه الاعمال التطوعيه هي الزيارات الميدانيه التي نذهب فيها لأحد دور الأيتام أو المستشفيات أو معهد الأورام وكثيرا ما إشتركت بها في المنيا سواء مع صناع أو جروب يلا نرضي ربنا أو مع بعض أصدقائي,,,فركزت على هذه المناطق ووجدت دارا للأيتام قريبه مني وبالفعل ذهبت ونسقت مع مدير الدار واتفقنا على عمل زياره لكل العاملين المسلمين بالفندق وتمت الزياره وكان يوما أكثر من رائعا وأعاد إلي كل ما كنت أشعر بأنه ينقصني في سفري هذا،كنت أرى السعاده على وجوه الأطفال فأشعر وكأني ولدت من جديد وأرى السعاده على وجوه زملائي الذين كانوا غير مصدقين بأنهم من يقومون بهذا العمل فأشعر بالفخر الشديد وبأن هناك أمل كبير لأعيش عليه هنا،ولكن...أكثر ما كان يؤرقني ويغضبني هو أن الدار بلا أي إمكانيات تذكر ,فهي لا تقارن بأي دار من الدور التي زرتها بالمنيا,الكثير من الأطفال لا يجدون أسره ليناموا عليها وملابسهم توضع في سله كبيره لعدم وجود دواليب كافيه لهم بإختصار كان وضع الدار يرثى له...وبرغم الفرح الشديد للقائهم كان قلبي يبكي دما على هذا الحال وهذا الإهمال المتناهي ولأن الله لطيف بعباده...قدر الله أن يجعلني سببا لإنهاء هذا الوضع المهين بدون أي مجهود مني...وبدأ الموضوع بإختصار شديد عندما كنت أتحدث مع إحدى البولنديات عن هذه الزياره الجميله وتطرق الحديث معها إلى الوضع الغير إنساني للدار ,كنت أتكلم معها بصوره وديه جدا ولا أقصد أي شئ وتفأجأت في العاشره مساءا بإتصال منها تطلبني في غرفتها لأمرا مهما للغايه وعندما ذهبت إليها وجدت عندها مجموعه من الرجال والنساء من الفوج الأيرلندي المقيم بالفندق لمدة إسبوعان وعندما تعرفت بهم إكتشفت أنهم أعضاء بارزون في جمعيات حقوق الإنسان ورعاية الطفوله في العالم وأحدهم مليارديرا شهيرا ببلده وعرضوا علي التبرع بمبالغ ضخمه لهذه الدار بعد شروط مهمه أولهم موافقة السلطات ومدير الدار وثانيهم أن أضع لهم خطه ماليه متقنه والثالث وهو الأصعب أن أكون مسئولا عن هذا المبلغ بصفتي الشخصيه نظرا لما وجدوه في نبرة صوتي من حماس وتأثر كما يقولون وبدأت العمل على الفور في الإتجاهات الثلاث وللصراحه الشديده لم أكن بمفردي فقد تحول حلمي الشخصي إلى حلم جماعي لكل من يعرفني في هذه البلده وبعد أن بدا الأمر من المستحيلات وإزدادت المشاكل الشديده جدا والعراقيل المعجزه لهذا الأمر وبدأ اليأس يدب في أعماق أعماقي فرج الله هذا الهم وأزال كل هذه العواقب إلا أن جاءت اللحظه الحاسمه بالأمس لنمضي العقود ونستلم الشيك ويتم تعييني مشرفا عاما على كل ما يخص الدار من أعمال وأهمها إيجاد منزلا أخر يصلح لأن يستوعب عدد الأطفال وتوفيره بكل ما يلزم من إحتياجات تعليميه وترفيهيه ثم مواصلة عملي كمشرفا عاما على كل ما يخص الأطفال من صغيره وكبيره
أحمدك ربي أحمدك ربي أحمدك ربي ...فكرمك بالعبد الفقير إليك كان أكثر مما يطلب أو يتمنىأحمدك ربي أحمدك ربي أحمدك ربي...فعندما ضاقت علي نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت وجدت رحمتك التي وسعت كل شئأحمدك ربي أحمدك ربي أحمدك ربي


يبدو أن المدونه لم تعد همساتي الشخصيه ، وانما اصبحت اكثر اتساعا لتشمل كل الهمسات النابضه بالحياة

أخي الاصغر سنا والأكبر قدرا أيمن ،لا اعرف اكثر من اسمك جمعنا عملنا التطوعي وان كنت انت من ساكني المنيا

ولكن ما اجتمع قوم علي غاية ساميه إلا وكانت نفوسهم اكثر سمو ورفعه

رأيت في قصتك التي كتبتها عن ذاتك ألف إجابه لتساؤلاتنا

وكأنها قبس من نور إلي كل من حاصره ظلام الأحلام الفردية والذاتيه فاتخذ من كل الوسائل مبررا لغاياته الأنانية

أيها النسر المحلق ، سر في اتجاه الشمس واجلب لنا الصباح


شيماء زايد

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009

(قطيفة بلون الزيتون ) بقلم الناقد والأديب رضا إمام همسة مهداة إلي صاحبة الهمسات (شيماء زايد )


*قطيفة بلون الزيتون *

قصة قصيرة بقلم الناقد والأديب (رضا إمام )


إلي / شيماء زايد




وقال لها في ذاك اليوم : لا تشربي من يد أحدٍ غيرك ، فيزيد عطشُك.
ثم رفع كفها الصغير إلي فمه ، وقبلها .
بالتأكيد كان أبي يرحمه الله – رغم سخرية الآخرين – هو الوحيد الذي يرى ظلال الشجر اليابس ، وهو يتحرك من خلف الكثبان الرملية من مهد صحرائه السحيقة ، زاحفاً وحتي مشارف المدينة . وهي رفضت هدية الجمعية الخيرية ..جاكيت القطيفة الزيتوني.
كانت إذا ما إشتد الإبتراد؛ تنكمش .. تنفرد ، صانعة طبقات جديدة لجلدها الرهيف . فلتصفعها الشتاءات كيف تشاء ،لكنها لن تتراجع ، ولربما يأتي صيفٌ هجُيره يُقدد الأوصال ،ولا يهمها،فالحصوات تحت اللسان جاهزة ،تستحبلها إذا ما إشتد الظمأ.
أبي. أعرف أنك تسمعني الآن ، فلربما تأتيني الشجاعة لأن أخاطبك من خلف هذه الجبال والهضاب والوديان . أأقول لك بأنني ما خالفتُ وصيتك ابداً ، إلا مرة واحدة ، يومها سمحتُ له فيها-فقط- أن يمسك بيدي ، وأنا أشرب كأس الفراولة ، فساعدني أن أرتشف بعض الرشفات ، أوتتذكر يا أبي عصير الفراولة ، ومن جعله مشروبي المفضل ؟ أليس هو أنت .
أنا كبرت يا أبي ، ورفيقاتي كلهن تزوجن ، وأقسم لك بأنني ما أردت الزواج إلا لحلمي بولد يشبهك .. اسمه علي اسمك ، لكنه سافر يا أبي إلي هذه الخلجان الضاوية بذهبها المُملح ، وطالت غيبته ، ولم يعد ، صارت أغنية "فيروز" أنشودتي الأثيرة :

"نطرتك أنا
ندهتك أنا
رسمتك علي المشاوير
يا هم العمر .. يا دمع الزهر
يا مواسم العصافير .."

يقولون جميعهم : أنني ورثت نشفان الدماغ واللماضة عنك ، وأن وجهي استدار ، وملامحي تُختت ، فأصبحت صورة طبق الأصل من صورتك المعلقة في غرفة الصالون ، المؤطرة بالسواد.
أحياناً أُغلق عليّ غرفتي ، وأدخل في هذا البالطو البني ، المفضل لديك ، وأروح وأنا أجرجره ، أُقلد مشيتك ، التي كانت تشوبها زكة خفيفة ، وكنتُ كلما انتويت سؤالك – في حينها- عن السبب ، أنشغل ، وانسي ، أراك في جلوسك في الصالة علي كرسيك المفضل ، الذي هبطت مقعدته ، فصارت قريبة من الأرض ، فارداً ساقيك قدر الإستطاعة ، تاركاً لي حُرية خلع حذاءك ، وكم كنتَ ترفض في البداية ، ولما أدركتَ أن هذا الشيء يسعدني ؛ تركتني ، وحين تعلو الأصوات قليلاً ، ترفع يديك مشيراً أو محذراً ، أركب كل المقامات لأحاكي صوتك :
- يا بنتي . خذي لك كتاب . صفحيه، أحسن من دخولك وخروجك من غرفة لغرفة .
ساعتها كنتُ أحس أن أذنيّ ليستا في رأسي ، لكنهما متحفزتان داخل صدري .
أعرفك يا أبي بأن أشياءك كلها مازالت بمكانها في الحفظ والصون ، فلديّ أحساس خفيّ بأن غيابك لن يطول : نظارة المشي والقراءة .. مظلة الشتاء والصيف .. مبسم السجائر .. لبيسة الأحذية .. عصاتك الأبنوس إذ يعلوها رأس أسد معدني .. أقلامك الحبر .. الورقة المسطرة بمشبكها ، لتضع عليها الورقة البيضاء حين الكتابة .. مقالاتك في المجلات والجرائد .. صورك مع أصدقائك الذين لم نرَ واحداً منهم بعد رحيلك .
كما أعرفك يا أبي . بأنني قد اكتسبت ُ خبرات جديدة ، وأصبحتُ ماهرة جداً في استعمال الكمبيوتر ، وإنه بإمكاني الآن أن أجمع مكتبتك هذه المهولة في قرص بلاستيكي صغير ، كما أنني نجحتُ في أستأناس الثعابين والضباع والذئاب وتجار الخُردة ، وجعلتهم يطربون لوقع كلماتي ، ويشيدون بقصصي القصيرة .
أوتعرف أن الحُلم الوحيد ، الذي يأتيني أثناء ساعات نومي القليلة ، الحُلم صار مكروراً ، ولا أستطيع أن أتخذ موقفا تجاهه، لأنني لا استطيع الوصول إليك ، في كل مرة أراك هكذا رابضاً – من بعيد- علي قمة الجبل كأنك "أبو الهول" تحرس الكون الفاني ،وهذا العصفور السابح في فضاء الوادي أمامك ، فما أن ينتزعوا عنه جناحيه ، ويبدأ في فقدان توازنه ، والدخول في دوامة السقوط ، حتي تتنابت له أجنحة جديدة ، ويعاود التحليق ، لاشيء يتغير في الحُلم سوي لون الفراغ ، الذي يتراوح ما بين الشفقي والرصاصي والبنفسج المخنوق .
تساءلني عن حالتي هذه غير المستقرة ، وأنني صرتً إما عصبية كقطة ينتزعون منها صغارها ، وإما راكدة كوصلة ريح مجذوذة . صدقني . وأنت تعلم كل شيء .
الحكاية كلها لا تتعدي عملية دفاع تلقائية عن النفس تجاه هذا الحزن المقيم .. الغول المسمي باليُتم .
ثم ألم تعلمني أنت : أن نصف الحلول منطقة مأهولة بالريبة ، فأنا لا أريد أن أصبح عانساً ، ولا أريد كذلك أن أصبح كاتبة أو مصممة جرافيك نصف كم .
ولمَ لا تقول أنه شيء وراثي فعليّ أن أدفع ثمن الدفاع عن رؤيتي كما دفعت أنت ثمن الوقوف في وجه الريح الفاسدة .
أبي . دعك من هذا ، فقد جاء دوري الآن لأسألك : كيف هي الحياة عندك ؟
بالطبع قابلت جدي هناك . كيف هي أحواله ؟ أمازال يهوي شرب القرفة باللبن وزراعة الزهور ؟
ولماذا صمتك هكذا يطول ؟ آه .
فقد نسيتُ أن الوقت ينتهي دائماً عند هذا السؤال .
نَظَرت لأسفل حيث منبت ظلها ، وناست علي شفتيها إبتسامة ، فدائماً- لطول سيرها عبر متاهات المسافات – ما يلتصق بقديمها هذا الصندل الجلدي المنحول ، ولا تكتشف ذلك إلا حين وضوء الفجر ، أنَسّيت من التعب ؟ أم أخفقت في خلعه قبل أن تنام ؟
لا يهم الآن فالنتيجة واحدة – فَرَدت الورقة الصغيرة أمام عينيها، لتتأكد من عنوان العمل في الإعلان المنزوي بالصفحة ، ربما تكون المحاولة رقم ... هي بالتأكيد لا تتذكر رقماً محُدداً ، لكنها لن تمل البحث والطرق علي كل الأبواب .
طَوت الورقة ، دستها في حقيبتها ، ومضت بخطوات ، جاهدت أن تكون واثقة ، ( وتهز رأسها علامة الموافقة علي أنها لاحظت هذه الزكة الخفيفة في مشيتها ) مضيت يَرنّ في أذنيها صوت أبيها الرخيم ، وعيناها تجوبان السماء الفسيحة ، وتتسرب الإبتسامات فجأة لما تري عصافير الفضاءات ، التي ما تكاد تهوي حتي تعاود التحليق مرة ثانية
.

تعقيب ( بقلم شيماء زايد )

لم اتعجب ان تجمع ملامحي من بين سطوري ، لم اتعجب ان يكون حدسك عميقاً ليري ما خلف السطح الظاهر ولم احدثك به يوما ، لم اتعجب ان تمزج كل ذلك بخيال خصب ، ولكن كل العجب ان تعلمني في نفسي أشياء لم أكن أعرفها
اليوم فقط أدركت أني حقا أديبة كما تقول عني ولم أكن أصدق أتعرف يا أستاذي لم؟
لأن أبي الروحي ( أبيه أيمن جمال الدين ) أخبرني يوماً أن الأديب لا يفهمة سوي الأديب ، وأنت راهب الأدب الذي يضيء الشموع للصغار كل مساء .
عمو رضا كما تحب – وأحب- أن أناديك ،هلاّ علمتني كيف يتثني للتلميذة الضئيلة أن تشكر أستاذها العظيم ؟!!