الأحد، 2 مايو، 2010

الهمسة الخامسة والعشرون (عزف الصور )

عزف الصور



وقع قدمية يخترق صمت أفكاره، تثور الأفكار مع كل خطوة، تتحرك حركة بندولية عشوائية داخل عقله، يحاول ترتيبها دون جدوى.. يسرع في مضيّه لعله يفلت منها، إلا أنها تزداد صخباً.. يهرب إليها.. يتأملها ويداعبها..تلك الصغيرة .. البراقة.. والذكية أيضاً.. حصل عليها للتو، وهي فقط من تستطيع تخليد ملامحه.
تسللت يده أسفل "البلوفر" السميك حتى اخترقت جيب القميص العلوي، أخرج مفتاحه ووضعه في موضعه الكامن في باب شقته الذي لم يعد يتذكر لونه من تراكم الأتربة، دلف إلى الداخل؛ أضاء مصابيح كل الغرف، أرادها أن تتجول داخل الحجرات..
لم يكن يدري من قبل أن كل الحوائط أكلتها الرطوبة، ونزفت الكثير من طلائها.
امتدت يده في تردد إلى الشباك المغلق، فتحه بحذر تاركاً فسحة صغيرة تسمح للهواء أن يتسلل ليغير رائحة العطن.
نصب الحامل أمام مقعده المفضل، وضعها عليه في حذر، وأخذ يحضرها للعمل كما علمه صاحب المتجر الذي اشتراها منه.
أسرع إلى المقعد وجلس.. أطلقت وميضها وطنينها دليلاً على اكتمال العمل، عاد إليها مرة أخرى، وأخد يتحقق من جودة الصورة من خلال شاشتها الرقمية الصغيرة، وعاود الكرّة .. تارة وهو يبتسم.. وتارة وهو عابس.. وهو يضحك ضحكة تكشف عن أسنانه.. وهو ملقٍٍ برأسه على كفيه متشاكبي الأصابع..وهو واضع قدماً فوق قدم .. وقدماه متجاورتان.. أراد أن يسجل كل انفعالاته...ليتبقى منه شيء بعد الرحيل.. يشعر بأن شبح الموت يشاركه السكن، يتأهب للانقضاض عليه في أية لحظة.. ليس هناك من يحمل اسمه.. ولسوف تتلاشى ذكراه الدخانية بمجرد رحيله..
تذكر صديقاً عزيزاً عليه أن يشاركه الصورة القادمة، دخل غرفته، فرد قامته وشدها، واقفاً على أطراف أصابعه؛ محاولاً الوصول إلى صديقه القابع فوق خزانة الملابس.. تتحسس أصابع يده الهواء.. يبذل المزيد من الجهد للوصول.. تلتقط يداه شيئاً بملمس الجلد، يحركه قليلاً، فتسقط حقيبة قديمة، وتتبعثر محتوياتها على أرضية الغرفة.
يحاول جمع الأغراض المتناثرة .. جواز سفر قديم .. عقد إيجار قديم ..و .. يطل وجه زوجته من أسفل الأوراق، يلتقط صورة زفافهما، يذوب بين عينيها، يذكر كيف جذبته تلك العينان فذاب في صاحبتهما وتزوجها.. فتركته يذوب وحده ورحلت دون عودة أثناء ولادتها المولود الثاني داخل المستشفى الأميري .. دائماً ما كانت تصف البحر بالغدر..كانت تخشى الغرق..ولم تكن تدري أن البر أكثر إغراقاً .
إلى جانبها صورته بالأبيض والأسود، كان وجهه يافعاً نضراً. تحسس تجاعيد وجهه بحركة آلية، وابتسم ساخراً عندما راوده هاجس أن الكاميرا الرقمية لن تخفي تجاعيده في صورها الملونة.
التقط صورة أخرى تجمعهما مع أول أبنائهما، داعب وجه الصغير الهادئ الملامح، ابتسم متذكراً ابتسامته الصافية... لماذا احترقت تلك الابتسامة؟، وهل كان ابنه آثماً عندما قرر قضاء العيد مع أبناء عمومته في الصعيد... كان يتحدث عن صلة الرحم، فمضى وترك الرحم مبتوراً ...بل محروقاً، احترق أوله داخل قطار الموت.
ومضت سنوات يتشمم رائحته في المعطف الأبيض، ولم يرتد بصيراً، ولكن تتردد في مسامعه كلماته عن عدوه اللدود... المرض ... الذي تحالف مع الفقر والجهل، وجثموا فوق رئتي النيل، فانقطع عنا الهواء، إلا من بعض "الأوكسوجين" المسموح به في المعونة .
ها هي صورة الولد الأصغر بوجهه الحزين، تذكر كيف كان يجلس معه بالساعات ليعلمه العزف على العود، إلا أن الشقي اختار القانون ..ربما لأنها آلة حزينة... لا يعلم أمنحته الآلة حزنها أم هو من منحها حزنه؟... ضاق عليه البحر، فانتقل إلى العاصمة بحثاً عن عقد احتراف... إلا أنه وقّع عقداً طويل الأمد مع الحزن ...
عندما كان صغيراً كانت تراوده الكوابيس ليلاً، ويصرخ باكياً، فيهرول إلى أبيه ليخبره أن السقف سوف يلتهمه، فيضمه إلى صدره حتي يهدأ ...
بدأ صوت ذكرياته يعلو..فعلا صوته، وكأنما يحدث تلك الرقمية في الخارج.
"عندما تصاعد رنين الهاتف أجبت مسرعاً، توقعت أن أسمع صوته، إلا أنني فوجئت بصوت آخر يخبرني أن سقف حجرته التهمه... "البقاء لله، ابنك شهيد " ... شهيد الحجر..من أسقط الحجر؟ لماذا لفظت أنفاسك يا بني تحت الحجر؟، وهل قلوبهم أرحم عليك أم الحجر؟!
لملم بإحدى يديه ذكرياته الأليمة، وبيده الأخرى عرقل دمعة انحرفت تترنح على التجاعيد المرسومة في زاوية عينه.
أحضر هذه المرة مقعداً خشبياً، وقف عليه ووضع الحقيبة في مكانها، وتناول عوده القديم ، فض غلافه.. أمسك بالعود..حاول فرد ظهره المحني قدر المستطاع ... وميض... طنين، نظر إلى الصورة فوجدها صامتة!!.
مضت يده تداعب الأوتار، واليد الأخرى تشد ما ارتخى منها... لم يدر كم من الوقت ظل يعزف، إلا أنه ما إن توقف حتى سمع لحنه يتردد .. قادته عيناه لمصدر الصوت.. التفت إلى الشبّاك الذي تسلل منه الضوء، فأدرك أنه الصباح، حرر طرفي الشباك على مصراعيهما. وجد في النافذة المقابلة صبياً قمحي اللون، تتدلى أشعة الشمس على وجهه فتضفي عليه بريقاً برونزياً، قصير القامة، جريء الملامح، يعزف لحنه على "أورج بلاستيكي " صغير .. ارتبك الصبي، وتوقف عن العزف .. تاركاً لعينيه اللامعتين العنان لتذوبا في عمق العينين اللتين يحمل صاحبهما عوده القديم.
ابتسم له ابتسامة بثت الطمأنينة في صدره. . واصل الصبي العزف.

تمت بفضل الله ،
شيماء زايد
الأربعاء 3 مارس2010 الثالثة صباحا