الأحد، 11 مايو، 2014

ما بعد الهمس (3) ....." آخر فرصة للهروب "





المزيفون يحتلون الشاشات، وصفحات الجرائد، والمذياع، يصبغون الهواء بغبار الجنيات الأسود.. نستنشقهم كرهًا كشظايا تمزق رئاتنا بالكذب.. يتقافزون فوق أحلامنا وآلامنا، يسحقون في طريقهم كل الحيوات الحقيقية، ويحتفون بالصور التذكارية لإنجازاتهم الصورية، بابتسامات مرسومة بسذاجة فاضحة.

وما زلت تخشاني..

ألِأنني صادقة أكثر مما ينبغي؟!.. ألِأنني أتوقف في محطات الواقع عقب كل وصلة تحليق.. وأنت تخشى التزامات التوقف؟!.. تجوب السماوات بحثًا عن شيءٍ ما، وما إن تدركه.. تتخندق في رحلة بياتٍ شتويٍّ، يمتد لفصول السنة الأربعة!..

أوَتعلم أنّي أخشاك بقدر خشيتك أو يزيد؟!..
كيف لي أنْ آمَن رجلًا يحول بين قلبه وبيني.. يقطع على مشاعره كل السبل؛ كي لا تصلَ إليَّ.. وتفضحه عيناه اللتان تسجّلان كل حركاتي وسكناتي، وكأنك تحفظ ملامحي داخلهما، كي لا تذوب حتى اللقاء التالي الذي لن يجيء.. وكأنما أردت استكمال لوحة الروح -التي سكنتْك رغمًا عنك ولفظتها إرادتك مراتٍ- بملامح ما؛ لتعلُّقها على جدار القلب أو ربما الذاكرة وترحل.

ولم الرحيل..

ألكونك تعلم أنني لا أملك حقَّ الاختيار؟! وإرادتي -تلك التي يراها الجميع صلبة وفولاذية- ضعيفةٌ جدًّا، كضعف أمَّةٍ خذلها كل الرجال.. وأنك تخشى نزال المشاعر، في عصر قهر الفرسان، فحولهم إلى بقايا ظلال على ورق، نقرأ عنهم في كتب التاريخ، الملفقة وَفْقًا لأهواء من كتبوها.

الحقيقة أنَّ كلانا يخشى الحبَّ..

نتحاشى التقاء نظراتنا مباشرة، ونتشاغل بأيِّ شيء في الجوار.. ربما لأن طريق الرؤية ممتلئةٌ بالجثث والدماء، والمزايدات الدينية والأخلاقية، والأمل الموءود في مهد ثورة.. لم تصلْ بعدُ إلى غياهب النفوس المعتمة بالظلم..

الحب الحلال لا يعيش في زمن الرخص.. القلوب المطروحة في سوق اللا ضمير مغشوشة، والمشاعر مستهلكة ورديئة الجودة.

نخشى الفشل.. ورغم أن الخوف من الفشل أقسى من الفشل نفسه.. لا نملك جرأة المجازفة..

وتخبرني أنك لا تعلم ما في نفسك..

أنا أعلم ما في نفسك.. وما في نفسي، وأعلم أن طعنات الحياة لم تترك داخل أنفسنا جزءًا سليمًا قادرًا على البوح والمواجهة.. الخوف وطنُ مَن لا وطنَ له.. والحب والخوف يتصارعانِ في القلب حتى يطردَ أحدهما الآخر..

لذا أمنحك آخر فرصة للهروب..

تخندقْ.. ارحلْ.. تبخَّرْ.. لا تبقَ كسراب قائم في نهاية صحرائي القاحلة، كلما اقتربتُ منه.. ابتعدَ.. فأنساه، فيلوح لي من بعيد، يساومني بهاجس الارتواء.. فألهثُ تجاهَه ولا يزيدني إلا عطشًا.


قرأتْ رسالتها على الحاسوبِ مرةً أخرى.. أرسلتْها وجلستْ تنتظر الردّ.. ولا مجيب، كما هي الحال دائمًا، صفحته على موقع التواصل الاجتماعي مزدحمة بصوره المؤطَّرة بالسواد، ابتسامة كبيرة على وجه زائغ العينين خلف عدساته الزجاجية.. بالْطو أبيض ملطّخٌ بالدماء، وعيون منتفخة، بينما يشير بعلامة النصر.. شعر غجريٌّ وذقن غير حليقة، وعلَمٌ في براح الخلفية متموّج بالزهْو.. مع رفاقه.. أمام البحر، وعلى الخط الفاصل بين المتناحرين حول القصر.. تسبُّه وتلعنُ مُزْحاتِه السخيفة.. تُقَلِّبُ داخل مواقع التواصل الاجتماعي؛ بحثًا عن ثقب إبرةٍ يقودها إليه، تصل كعادتها لتاريخٍ قديم تجاوز العام.. تعاود قراءةَ حروفه الأخيرة، ذلك السؤال الذي أطلقه وأطلق لنفسه عنانَ الهروبِ الأبديِّ.