السبت، 29 مارس، 2008

الهمسة الثانية (حالة وضع )

حالة وضع !!

علمت أنها تضع مولدها الأول في ذاك التوقيت ... لم أتردد لحظه في قرار الذهاب إليها رغم ‏خوفي الشديد ‏
فأنا اسمع دائما عن مدي صعوبة وآلام الوضع ‏
ذهبت إلي المستشفي سيراً علي الأقدام لا اعلم أرغبة في تفريغ شحنة التوتر، أم لاستهلك المزيد ‏من الوقت في الطريق ،داخل المستشفي أخذت جولة في كل الطوابق تقريبا حتي وجدت نفسي ‏في مكتب مزدحم بالمكاتب وأجهزه الكمبيوتر ‏
عندما استوعبت ذلك سألت بذهول من يستفيق من النوم ...أين غرفة العمليات ؟
كان الرد ممزوج ببسمات التعجب ...يا للحماقة ... هل يبدو علي وجهي عدم الاتزان لهذا الحد!! ‏
عندما وصلت لغرفة العمليات كانت عملية الوضع تمت بالفعل، تنفست الصعداء وسألت عن ‏غرفتها ‏
طرقت الباب ... دخلت في اندفاع ... أجد بعض الناس الذين يعرفونني واعرفهم ... نتبادل ‏الحوار بلا حوار وعيني وذهني معلق بالأم ...هذا الجسد النحيل المتدثر داخل الكثير من الأغطية ‏يئن غائبا عن الوعي كادت تخونني دمعتي إلا أني احتجزتها في مقلتي ‏
تلفت علي السرير الآخر لأجد شيء صغير ملفوف في أشياء كثيرة ...يقولون انه المولود الجديد ‏
مغلق العينان ...اصفر الوجه ... أطرافه الدقيقة المرتعدة البيضاء انكمش جلدها من السوائل ...‏
لا ألوم عليه كل هذا الخوف ...كم أشفق عليه ...ماذا سوف يفعل في هذه الدنيا ... كيف سيشق ‏طريقه وسط أشوكها...حقا هذه هي انسب صورة لاستقبال الحياة ! ‏
أنين من الجهة الأخرى يزداد ...تتألم ...تنادي كل المحيطين ... تهتف باسم زوجها الذي اخفت ‏عنه موعد وضعها خشية عليه أن يفقد عمله ...هذا الزوج الذي تفرض عليه طبيعة عمله التواجد ‏معها سبعة أيام كل شهر ‏
آلامها شديدة .... الطفل مازال يرتعد .... ها هي تهتف من جديد باسم زوجها وتصر علي عدم ‏إبلاغه وتأكد علي ذلك مرات ومرات .... بدأ الطفل يرشف بعض قطرات الأعشاب بالقطارة ‏التي تطوعت احدي الحاضرات بإطعامه من خلالها ... صرخاتها تعلوا تطلب المزيد من ‏المسكنات .... بدأ الصغير يفتح عيناه إلا انه سارع بإغلاقهم سريعا خائفا يقاوم ضوء المصباح ‏‏... أغلقهم يا صغيري فالظلام أكثر أمانا من ظلمات النفوس ‏
مازالت تتألم ...تناجي زوجها تحت تأثير المخدر ... لم أكن اعلم أنها تحبه كل هذا الحب‏
فلقد تزوجا زواجا تقليديا ... فما كانوا روميا وجولييت ولا قيسا وليلي ...سبحان من يألف بين ‏القلوب ...نعم سبحان الله .... وتبارك الله أحسن الخالقين يا لجمال البراءة التي اطمأنت بعد رشف ‏الأعشاب ... وجه جميل نقي...دبت فيه الحياة بعد إطعامه ... ملامح منتفخة ورائعة في نفس ‏الوقت ،
جاءت الطبيبة لتزيد جرعة المسكن حاولت مداعبة الأم في محاوله لإفاقتها ... حملت الطفل ‏وذهبت إليها معلقة علي المولود بأنه قبيح ... ونحمد الله انه لم يكن فتاه ... فإذا بالأم تنتفض لتري ‏وجه ابنها لتتخذ وضع دفاعي فتنظر إلي الطبيبة نظرة ناريه وتردد عبارة واحده ثلاث مرات ‏متتالية .."ابني ليس قبيحا"‏
تعالت الضحكات عند حدوث هذا الموقف ...تحاملت الأم علي نفسها رغم آلامها وضمت الطفل ‏إلي صدرها محاولة إرضاعه ... فرفض الطفل ...فإذا بي أري الأم التي تتحامل علي آلامها حتي ‏أنها لم تذرف دمعة واحده...قد انهال سيل الدموع من عينيها ولم تهدأ حتي طمأنتها الطبيبة انه ‏أمر طبيعي يحدث من بعض المواليد ‏
لتغيب الأم عن الوعي مره أخري .. هكذا كانت فترات إفاقتها لا تزيد عن بضعة دقائق ‏
يا للعجب ... كيف أري في جمال الصغير كل هذا الخوف ...لأنسج منه خيوط اليأس .... وكيف ‏أري في آلام الأم كل هذا الجمال ...ليعكس داخلي صورة الحب


حقا إن نور الفطرة الطيبة كفيل بإزاحة ستائر رؤيتنا السوداوية





الأربعاء، 26 مارس، 2008

أول همسة (علبة ألون)

اعتاد أن يترك بصمة علي كل شيء ...الجدران ...الأثاث...دفتر العناوين ...الملاءات البيضاء ‏
وجود أي قلم بين أصابعه أو بمعني اصح بين كلتا يديه يعد خطر كبير...‏
كان المكان الأكثر أمانا لوضع الوريقات الهامة أسفل حشوه الفراش بعد أن فشلت محاولات ‏وضعها أعلي المكتبة ‏
حيث استطاع ببراعة كبيرة أن يتسلق المكتبة بعد قفزه رائعة من المنضدة إلي الكرسي الذي اتخذ ‏ظهره درج للوصول إلي غايته ‏

،يوم طويل ومرير ...لم ينسي أحدا هذا اليوم عندما ذهبت أمه لاصطحابه من روضة الأطفال في ‏أول يوم له هناك فوجدته منتفخ العينان ...متهدج الأنفاس... ليخبرها الجميع انه لم يتوقف عن ‏البكاء منذ أن تركته في الصباح ‏
ورغبه في إقامة قمة صلح عاجله مع صغيرها أهدته علبة مستطيلة الشكل ملونه الغلاف قالت ‏عنها أمه "علبة ألوان" ...أخذ يتأمل أقلامها العجيبة بألوانها الزاهية التقط أول الأمر القلم الأحمر ‏وقبل أن يبدأ رحلة إبداعه علي مفرش المنضدة...أومأت له أمه في تحذير... ثم فتحت أمامه دفتر ‏كبير يشبه دفاتر عمل أبيه إلا انه ناصع البياض ‏
اخذ يخط بالقلم في الدفتر فإذا بهذا اللون الخلاب يضيف شيء من الخجل إلي صفحاته ‏
ابتسم الطفل في ذهول وهو يواري بياض الصفحة بهذا الاختراع العجيب ‏
بمنتهي الحماس انتقل للقلم الأخضر ‏
فالأزرق ‏
فالأصفر ‏
فالبني ‏
وابتعد رافضا اللون الأسود !‏

لم يخرج من حجرته ثلاثة أيام متتالية ...هذه الحجرة التي لم يراها منذ أعوام ...فزياراته الخاطفة ‏لبيت والديه لم يكن ضمن برنامجها تفقد الحجرة القديمة ...لأنها لم تتجاوز غرفة الاستقبال !‏
تسللت أمه إلي داخل الغرفة ترجوه عيناها وتدعوه للخروج من محبسه فأشاح بوجهه فأسرعت ‏لتضمه بين زراعيها...دفن وجهه في صدرها ليغرق هذا الصدر بسيول الآلام والآهات.‏
‏ الضيق .. الفشل ...الوحدة ...الغدر ... الخيانة...الضياع ‏
ظنت أنها تستطيع أن تمحو كل هذه المصطلحات من قاموس حياته إذا أهدته علبة جديدة ‏
هذه المرة ألوان زيتية متنوعة ... وقد أعدت لوحة الرسم كذلك ...‏
تركته يعبث بالفرش والأقلام ‏
تمنت أن تري الصبي الصغير يلهو من جديد
أو ربما تري الصبي الكبير يبدع من جديد ‏
‏ ذهبت لتعد الليمون البارد في عجلة من أمرها يسابقها الفضول لتكشّف اللوحة
‏ تسمرت في ذهول أمامها
ولم يسعف صمتها المميت غير دمعتان عندما وجدته لم يستخدم جوار الرتوش الرمادية إلا اللون ‏الأسود!!‏

تمت بفضل الله ‏
شيماء زايد