السبت، 6 فبراير، 2010

الهمسة الثالثة والعشرين ( التحويلة )


التحويلة

لم يستمع يوما لكل العبارات التي تصفه بالجنون ، لم توقفه سيل اللعنات اليومي التي تصبه زوجته السليطة علي أذنيه .
كان عم ابراهيم يسير من الطريق العمومي وسط نظرات التشفي والشفقه ، وهمهمات وتهكمات الجميع ، ويمر بمحاذاة الترعة مداعبا فروع أشجار الصفصاف التي تهدلت في دلال تغتسل من المياه الراكدة ويعبر الجسر الضيق المبني من جذوع الأشجار وقطع الخشب البالية المصقولة بالطين ليستقر به المقام في الضفة الأخري علي قطعة الحجر التي ألفت جسمه
مسندا ظهره علي النخلة البور التي لم تسقط عليه رطبا قط ، معلقا بصره بالقضبان المثبتة في الأرض يتلفت من حين لآخر ينظر إلي اتجاة الظل وموضع الشمس .
كلما حان موعد قطار أسرع إلي ذراع التحويلة الصدأ ووجذبه ويعود ليسجل علامة علي الصفحة الترابية أسفل قدمه بعود الحطب اليابس
الذي يقلب به الجمرات تحت غلاي الشاي الذي إعتاد أن يشربه مع بعض لقيمات الخبز اليابس إن وجد
كثيرا ما ترددت عليه امرأته سكينة محاولة إثناءه عما يفعل ، صارخة في وجهه ..لاعنة التحويلة وعقله الخرب الذي يرفض الإقتناع بأن التحويلة آلية ، وما يفعله ليس سوي ضرب من الجنون ، وإن لم تكن آلية فمن أعطاه هذا الدور إذن ليحمل أعباءه !!
كانت تنهره وتتعالي صراخاتها طالبة منه أن يبحث عن عمل مجدي فقد تقرحت يداها وخارت قوها من التنظيف في بيوت القرية لإطعام الأفواه الجائعة ؛
فكان يجيبها حانقا ومن يتولي التحويلة ، كيف سيتغير مسار القطارات ، أرواح الناس يا عالم! .
ذات يوم كان صراخ امرأته يتردد صداه مدويا في بلدتنا أكثرت من إهانته وسبابه وهو لم يرد عليها قط ، كانت تلك المرة الأولي التي أري فيها عم إبراهيم منحنيا حتي كادت جبهته تلامس الأرض

ربت علي كتفه فإنزلقت دمعة من عينه رغما عنه
سألته
- ألم يكن ينبغي عليك العودة معها إلي البيت
- ما زلت أنتظر القطار القادم في آذان العشاء
- الوقت ما زال مبكرا بإمكانك أن تعود إلي البيت الآن وتعاود المجيء في موعد القطار
- الطل أرحم من صوت سكينه ، أحب أن ارح اذناي منها ومن صراخ الصغار
- لماذا لا تحاول أن تغير عملك ، فلتعمل في أي شيء آخر فالقضبان تتحول آليا
- لكنني لا أريد أي عمل آخر ... أفهم سكينه أنني خلقت لتحويل المسارات ، صدقني إن لم أغيرها لن تتغير
- إذن لا فائدة ، سوف أرسل لك بعض الطعام


ارسلت أحد الصبية بفطيرة وبيضتان لعم إبراهيم ، إلا أنه عاد مسرعا والفزع يكسو وجهه ليخبرني بأن عم إبراهيم سلم نفسه للقضبان التي يعشقها؛ إلتهمه القطار الذي طالما ظن أنه يتحكم به
وانطبعت أشلائه علي السكة الحديد ، اكتست القرية بالحداد لبضعة ساعات حزنا علي المجنون الذي أنهي حياته الغريبة فجأة .
إلا أنهم في اليوم التالي أقاموا سرادق عظيم وتنافسوا في إحضار المقرئين طالبين العفو من المبروك ؛ نفسه الذي كان يحيا بينهم بلقب المجنون
كل ذلك لأن قطار الصباح انحرف عن مساره ولم تتبدل التحويلة ، فكثر البكاء والنواح علي عم إبراهيم وزادت مصمصة الشفاه ، من سيتولي التحويلة من بعدك يا عم ابراهيم .. خسرناك يا مبروك ...
أما سكينة فقد جنت ثروة صغيرة من بيع اغراض المبروك لأهل القريه وكانت دائما ما تزوره وتطلب له الرحمه !



تمت بفضل الله

شيماء زايد

الأحد 31/1/२०१०

السادسه مساءا