
أيها الأمير المتوج علي عرش الظلام فوق رؤوسنا، بين ومضات النجوم المبعثرة .
أري أيامي علي صفحات وجهك المتغيرة ، فتارة تكون بدر فتكون أيامي واضحة كوجهك البهي ، وعندما يتضاءل وجهك تتضاءل ملامح أيامي؛ ويرسم نورك - تجلي أو خفت - علاماتي علي الطريق .
أيها القابع المتفرد المتغير صاحب الانطباعات الساحرة والمزاج المتقلب .
أراك ارتحلت اليوم ، فضل الطريق مني ، انه إذن يوم سفري؛ولما السفر ، بحثا عن الطريق ؟ ، عن الضوء؟ ، عنك ؟، عن الجديد ؟.
لست أدري ، ولكني اعتدت عند رحيلك أن ألتمس السبيل إلي القطار ، أتحسس هيكله نوافذه واقفز من بابه إلي عالم الترحال .
يحملني القطار ، أراه اليوم مزدحم ، ربما هؤلاء جميعهم يبحثون مثلي عن ... عن أي شيء ...أو لا شيء أو ربما لا يبحثون هم فقط يهربون .
يزداد صوت الأنفاس ، الحديث ، وصيحات إلتهام العجلات للقضبان ،وتتزاحم معه الأفكار ، الذكريات ما بين دموع وابتسامات .
والنافذة تطل علي عرشه المظلم بين ومضات النجوم الخافتة.
في المحطة الأولي نزل العديد ، جلست في مقاعد الانتظار أتأمل الوجوه من حولي ، أتوه داخل العيون فلا أجد سوي الظلام ، انقضت دقائق الانتظار وعلي أن أواصل الترحال .
يدعوني قطاري للركوب بصيحاته المتعالية التي تعلن الانطلاق ، وقبل أن اقفز داخله من جديد يترائي لي صديق قديم ، هل هو حقا ، ولما لا ربما مازال يحتفظ بجنونه – الذي هو قمة العقل – هل هو من الباحثين أم الهاربين ، ربما اختلط علي الأمر .
في المحطة الثانية اتضحت الرؤية وجدته يقفز من التنقل إلي الثبات لالتقاط الأنفاس ، كلا منا يقف مسندا ظهره علي القطار الذي نزل منه للتو .
تلاقت أعيننا ، ابتسمنا ، بادر بخطوة نحوي ، فاستأنفت الطريق بيننا بخطوتين .
وقبل أن نبدأ الحديث أعلن القطار إنذاره من جديد .
قفزت إلي الداخل ولكن هذه المرة لم اقفز وحدي قفزت معه داخل عربته ، تبادلنا الجلوس علي مقعده فلاح في الأفق سنيا ضوء يبتلعها جيوش الظلام .
تسامرنا ،تذكرنا ما كان ،تخيلنا ما سيكون وسألته لما السفر ؟
- ربما أبحث عنك .
- تبحث عني !
- إن أروع ما في السفر أن تجد في كل محطة صديق قديم يرشدك للطريق .
- لكل منا طريق .
- ولكن الغاية واحده .
- إذن لقد توقف القطار ، محطة جديدة فلنخرج لعلنا نجد صديق آخر .
- وأنت عما تبحث .
قالها بنصف داخل القطار ونصف خارجه ، فابتسمت وآثرت الصمت علني أجد الإجابة في المحطة التالية .
بعد قليل من التسكع عدنا مرة أخري للقطار ولكن في هذه المرة كنا داخل العربة التي تحمل مقعدي ، تبادلنا الجلوس ، حدثته عن القمر ، عن أطواره ، عن علاماته ، وعن قراءة النجوم ، وعن ترحالي كل محاق .
من مقعدي أدرك بغيته ، لمح طريقه علي مرمي البصر في المحطة التالية ، وقبل أن يرحل ابتسم مودعا وقال بصوت خافت أرسل شكري لمحاقك الذي أدخلك دائرة التيه لتهديني .
ركبت قطاري قبل أن يطلق إنذاره ، ناديت عليه، ألتفت ،سألته ؛
- ألا تريد أن تعرف عما أبحث .
وقف برهة وانتظر ، لتتلاقي أعيننا مع ضوء الصباح قبل أن يسأل بابتسامة واعية .
- عما ؟
انطلق القطار ليباعد بيننا توجهت نحو الشباك القريب منه وهو يخطو بخطوات واسعة عله يدركني .
- ابحث عن نفسي يا عزيزي ، نفسي التي أراها الآن ماثلة بين عينيك .
ومضي القطار .
تم بفضل الله،
شيماء زايد
22/9/2008الساعة الثانية ظهراً