أحضرت الفرش وألواني وبدأت أوزع بعض نقاط لتضيف بعض التغيير في فضاء اللوحة ، لم أكن أعلم ما قد أرسمه لكنني رسمت .
خانتني دمعة وانزلقت علي الألوان، أفسدت اللون الأبيض فاستبعدته .
أربعة عشر عام أو يزيد هي مدة معرفتي بأحمد صديقي العبقري كما أراه – المجنون – كما يرون ، قالوا أيضا أن صداقتنا ضرب من الجنون ، رسام ضيعة فنه مع باحث فاشل في الكيمياء النووية .
قد سألته يوما " كيف تكون صداقتنا ، صناعتي الجمال وصناعتك الدمار؟؟!!".
أجابني " أخطأت صديقي فصناعتي خير للبشرية ".
غدا يرحل أحمد ؛ ماذا قد يصلح هدية وداع أرسمها له ؟، آخر لوحة أهديته إياها كانت حصانٌ مجنحاً بلون الثلج الناصع يحلق فوق السحاب ، يتسلل ضوء القمر من بين قسمات جناحه الذي ستر نصفه ، ويبرق في عينيه التحدي بين ومضات النجوم .
أهديته حصان لأنه طالما عشق الأحصنة .
طالما كان هناك حصانا فوق مكتبه بارزا بين كتبه ودفاتره ، شامخا يستند علي قدميه الخلفيتين ، رافعا قدميه الأماميتين في تحدي .
وطالما كانت لوحاتي علي جدران غرفته كلها أحصنة ، انه عميلي الأول في شراء لوحاتي عن الأحصنة ؛ إلا انه لم يدفع ثمن لوحة قط !.
أهديته الحصان المجنح عندما فرغ من أبحاثه التي عكف عليها خمسة أعوام من تخرجه ، لست بعالم كي افهم نتائج أبحاثه ، لكنه بسط لي الأمر أن أبحاثه قد تغير مجري البشرية .
مرت سنوات من ذلك الوقت ولم أرسم أي أحصنه ، ومن ذلك الوقت لم يترك بابا دون طرقه يحاول أن يجد من يعطيه بعض الإنصات بلا جدوى .
رغم سرقت بعض أبحاثه وتحويلها عن مسارها الذي أراده إلا انه رفض أن يهدر وقت للدخول في صراعات دون جدوي ، همه الأكبر السعي لخير البشرية .
من حوالي شهر أو يزيد هاتفتني والدته ترجوني أن احضر لزيارته فذهبت؛كان باب عرفته موصد ينبعث من خلفه ضوء ضعيف مخنوق .
طرقت الباب ، توسلت إليه بحق صداقتنا أن يسمح لي بالدخول ؛ ودخلت .
وجدت الفوضى في كل مكان أوراق مبعثره ،كتب ممزقه ، اسطوانات محطمه جوار حاسبه الآلي الذي يكسوه التراب ، ولوحاتي تركت جدرانها وتكومت في أحد الأركان.
وحصانه لم يغادر مكانه إلا انه قد نكس رأسه فالتصقت بسطح المكتب وجسا علي قدميه الأماميتين ، وظلت قدميه الخلفيتين معلقه وكأنني لمحت في عينيه الاستسلام.
عدلت موضع الحصان فنكسه أحمد في عصيبة قائلا:
- لا تغير أي شيء .
- ولكن لا شيء هنا كما يجب أن يكون .
- ربما هكذا يجب أن يكون .
- عجبا أهذا أحمد حامي حمي النظام ... أود أن التقط صورة لغرفتك الآن حتى يراها من اقسموا أنهم لم يروا يوما ورقه قد وضعت فوق مكتبك مائلة .
- وهل ينصلح الكون إذا عدلنا من موضع كل ورقة ، قد كنت مضلا حقا يا صديقي ،لا مزيد من الأحلام .
- أحلام ... لم تتحدث يوما بلغة الأحلام د كنت تتكلم دائما بالحقائق والأرقام .
- بل قل أوهام ...لم أعد أريد أي شيء سوي الحقيقة الوحيدة التي انتظرها بفارغ الصبر.
- أي حقيقة ؟ .
- الموت ... الموت هو الحقيقة الوحيدة .
- ربما عليك أن تعلق لوحاتي من جديد ، قد تعود إلي رشادك كما أن رؤيتي لها معلقة هو السبب الوحيد الذي يجعلني لا أطالبك بثمنها.
- ربما عليك أن ترسم صور للمشاهير ، قد تدر عليك بعض الدخل .
- لم تكن تحسبها هكذا .
- ولما احسب ، هي هكذا .
- من أنت!!...أين أحمد!!، أنا لا اعرف هذا الشبح الذي يتحدث .
- وأنا أود النوم ... لا تكرر الزيارة لأنك لن تجد احمد القديم بعد اليوم ، وقد أمحو من داخلي أيضا كلمة صداقه التي جعلتني أدخلك غرفتي اليوم.
- امحي أي شيء لو أردت ... ولكن أرجوك لا تمحي أحمد .
و تساقطت دمعاتي رغما عني وأنا أتذكر حوارنا بللت الفرشاة فاضطررت إلي إبدالها وكذلك أفسدت اللون الأخضر .
وبدأت أرسم بالرمادي ،وضعت الخطوط الأساسية وانسابت يداي رغما عني تكمل اللوحة .
زرت أحمد بالأمس ودخلت غرفته كعادتي ، قد عادت إلي ما كانت عليه نوعا ما؛ رتب أوراقه وكتبه ومسح الغبار ، ولكن الحصان فوق المكتب ما زال منكس الرأس ومازالت لوحاتي مكومه في الركن .
وقد استقر فوق سريرة حقيبة كبيرة مفتوحة تتكدس حولها الملابس من كل جانب.
أخد يرتب الملابس داخلها وهو يخبرني أنه قد حصل علي فرصة عمل جيدة في الخارج حيث يمكنه أن يطبق أبحاثه ويجني الكثير من المال .
لم استنكر حديثه ولم أتعجب تحوله المفاجئ عن مبدأه الرافض للهجرة ، لم يكن الواقف أمامي أحمد الذي عرفته علي أي حال .
لذا لم يكن ردي سوي سؤال :
- متى السفر؟.
- فجر بعد غد ، هل ستأتي لتودعني ؟.
- بكل تأكيد ، معك حتى المطار .
ها قد اكتملت لوحتي ، أمامي بضع ساعات قبل انتصاف الليل يجب أن انتظر جفاف اللوحة لأحملها إلي صانع الإطارات فيصنع لها إطار ذهبي باللون الذي يفضله أحمد ، أو أي لون لم اعد أوقن انه مازال يفضل الإطارات الذهبية ، لم اعد أوقن بأي شيء .
و أصبحت اللوحة جاهزة بعد أن وضعت لها إطار ذهبي براق ، وذهبت أودعه بادرت بالحديث:
- قد أحضرت لك هدية ،علها تذكرك بي .
- قبل الهدية أود أن أشكرك علي كل شيء ،وأرجو أن تستعيد لوحاتك .
وأشار بإصبعه إلي الركن الذي تكومت فيه لوحاتي ،إلا أنها هذه المرة كانت داخل صندوق ورقي .
- حسناً ... سوف أخذها وإن كنت أظنها ألفت جدران غرفتك .
- اللوحات لا تألف ولا تشعر يا فنان ، ألن ترني هديتك .
- هديتي ...نعم ... لا تظنها شيء ثمين ،إنها لوحة ، فلا أملك سوي فني .
- ربما عليك أن تسوق فنك بالخارج .
- ربما نعم ، وربما لا ...
فضضت غلاف اللوحة فتجلت للعيون .
- طائرة معدنية !!...، توقعت أن تكون حصان.
- لم استطع أن ارسم غيرها ... وقد علمتني عدم التوقع ، فلنتحرك حتى لا تفقد الطائرة .

أوصلته حتى المطار ...احتضنته بكل المعاني التي تخللت سنوات عمرنا معا ، امتزجنا فلم أعد أعلم من منا العالم ومن الفنان ، وانفصل عند النداء الأخير للمسافرين .
ركب الطائرة وقبل أن يعبر بوابتها ؛ألقي شبه ابتسامة خلفه تحمل الألم والسخرية في نفس الوقت .
اخشي أن تكون كافة لوحاتي القادمة عن الطائرات .
،تمت بفضل الله
شيماء زايد
6/11/2008
1:45 ص