
أحب الطبيعة، عشق وجوده بين سنيا الضوء المحملة بألوانها الباهرة ، وجوده بين الأضواء والألوان يستر مساحة فارغة داخلة ؛ يسترها دون أن يملئ فراغها.
في الغابة – حيث الطبيعة – بني مسكنه بعيدان من قصب وأساس من قش ،اعتاد كل صباح بعد تناول الإفطار أن يقبل أبناءه قبلة روتينيه ، ويخبر زوجته بابتسامة مصطنعه أنه سيفتقدها طوال غيابه، ثم ينظر علي صورته التي رسمها وألصقها علي كامل المرآة ليتأكد من انه – أي أنها- كما يجب أن يكون .
في عمق الغابة تتنقل فرائسه بخفة وحيوية ، تلك الكائنات الصغيرة والضعيفة الشديدة الجاذبية .
يبحث عن أكثرهم ذكاء وجمال وتميز ، يتفنن في نصب المصايد والشراك ؛
تلك الشراك التي يغزلها بحنكة ودهاء بفتلة من حرير وأخري من حديد ، ويلقي طعمه الذي هو مزيج من السم والعسل ، وينتظر رحيل الشمس .
وأخيرا يضيء كشافاته لينبعث ضوءها – علي أو خفت – كلاً علي حسب نوع الفراشة .
ورغم إحساسها بالخطر لا تقاوم انجذابها لمصدر الضوء، إنها طبيعة الفراشات .
وعندما تسقط يخترق صدرها بسلك صلب ليصنع منها حلية يضعها جوار ضحاياه السابقة في طوق انجازاته الذي يزين به صدره دائما . يزين صدره بتهشيم صدرها ، ويرضي غروره بإزهاق روحها .
في ذلك اليوم وجد ضالته فراشة صغيرة تتألق بألوانها الرائعة البديعة التناسق وخفتها الغير عادية ، كانت أكثر ذكاء من كل الفراشات التي قابلها من قبل ، لم تفلح معها الشراك والمصايد ، استطاعت أن تصل للضوء دون أن تسقط ، لم تسلب الأضواء الصناعية وعيها .
حاول مراوغتها ومداعبتها ، منحها بعض الأمان الوقتي وانقض عليها ؛ إلا أنها دائما ما استشعرت الخطر بلحظة قبله ، دائما ما سبقته للنجاة بلحظة .
كلما نجت من شرك ، استشاط غضبا وازداد رغبة في امتلاكها ، مازالت تنجو ومازال إصرار رغبته ينمو
حتى صار شبحا طمس روحه فنسي كل شيء عدا فريسته .
لمعت فكرته الشيطانية قبل الشروق بساعة ، نعم إن لم يستطع اقتناصها فيكفيه أن يحرم أي أحد آخر منها ، عندما تبدر الشمس رماح أشعتها لتبدد جيوش الظلام ، سوف تنفتح لها السماء بأسرها فتطير أينما تشاء وكيفما تشاء ولن يستطيع اللحاق بها .
بدأ في تنفيذ خطته لإبادتها جمع الحطب في عجالة بهمة عالية ، كوم الحطب فوق جذع شجرة سبق أن حرمت من الحياة هي الأخرى .
وأشعل النيران فتعالت ألسنتها ، إلا أنها لما تكن أكثر حدة من الشرر المتطاير من عينيه .
كالسحر كانت الفراشة تستسلم لنداء النار ، دارت حولها مرتين ، شربت الكأس الأخير من دخانها ، وارتمت في سعيرها .
عندها فقط امتلأت عينيه بنشوة الانتصار ، عندها فقط شعر كأنه ملك متوج علي الكون بأثره ، عندها فقط خط التاريخ انه ابرع صائد فراشات ؛
وخط أيضا أن ابنته كانت طعاما لوحوش الغابة ...عند هذه اللحظة فقط .
تمت بفضل الله ،
شيماء زايد
الجمعة 3 /10/2008
الساعة 10:20 م