ملاك غرب الدلتا

إنها هي لم تخدعني عيناني ،أعرف هذا الوجه جيدا بملامحه البريئة الطفولية الهادئة وكأنها تطل علي بثوبها الأبيض علي المسرح ،" ملاك نوري في سجال مع الشيطان" كان هذا دورها في احدي المسرحيات القصيرة التي قدمناها معا للأطفال من خلال عملنا التطوعي .
كانت أكثر الناس إلتزاما بمواعيد التدريب ،أكثرهم سماعا وإنصاتا وجديه .
سلمت عليها بحرارة وحدقت فيها بمنتي الدهشة أقسمت لها بأغلظ الأيمان أني كنت ابحث عنها بين الوجوه لا اعلم كيف راودني هاجس أنني سوف ألقاها بين المنتظرين في محطة أتوبيس غرب الدلتا بالإسكندرية ، وسرعان ما طردت هذا الهاجس الغير معقول ، وها أنا أرها أمامي .
ولكنها ردت علي بابتسامتها الهادئة المعهودة أنها تعلم ذلك ولا داعي للقسم ، وكأنها ..وكأنني ..وكأننا علي موعد من القدر .
من بضعة شهور تقابلنا هنا أثناء عودتي إلي دمنهور ، كنت ادرس احد أنظمة حجز تذاكر الطيران وكانت تدرس في مجال الحاسب الآلي ورغم اختلاف مواعيد عودتنا إلا أنني قابلتها عدة مرات نظراً لتأخر الحافلة أو لظروف طارئة والغريب أنني عند كل لقاء كنت استشعر بشده وجودها في محطة الانتظار حتى أنني بمجرد الاتصال علي هاتفها المحمول أجدها أمامي قبل أن ترد علي الهاتف.
في اللقاء الأول استطعنا بعد طول عناء اقتناص مقعدين للجلوس داخل الحافلة رغم الزحام ، إلا أننا بعد أقل من ربع الطريق تخلينا عن المقاعد فقد هممت بالقيام لأجلس سيده لم تتحرك لها نخوة الرجال والشباب الممددين علي مقاعدهم ، فتخلت هي الأخرى عن مقعدها لإحدى الفتيات ووقفنا معا في الممر الضيق بين المقاعد انظر لها وأتدبر... ، كانت تتحدث عن حياتها، دراستها في الجامعة ،عملها في الترجمة عن بعد من خلال الشبكة العنكبوتية ،دراستها اللغات في القاهرة ودراستها الآن في الإسكندرية ، خطتها للمستقبل.. أحلامها ..وأفكارها .
كنت انظر لها بسعادة وفخر أتذكر من سنوات قليله عندما راهنت عليها ، فقد عارضني الجميع أن باستطاعة تلك الخجول أن تقدم احدي فقرات حفلنا الخيري ولكنني ربحت الرهان وأشادوا بها ، وقد كانت نظرتي لها صائبة .
نفس الخجول بمزيد من النضج والاتزان والسعي للنجاح .
مازلت أتذكر اليوم الذي جاءت تودعني فيه؛ فقد أصر والديها علي منعها من الاستمرار في عملها التطوعي ، أحسست بالذنب تجاه دموعها الغير مرئية خاصة عندما أعطتني مسودة قصه من كتابتها مازلت احتفظ بها ، شعرت أنني أعطيتها شيء من جنوني بالأدب والفن لتشقي به ، ومرت الشهور وكان لقائنا الأول في أتوبيس غرب الدلتا لأري بين عينها الآن بريق الثقة لتعطيني كل الأمل افخر به .
سألتها متعجبة كيف أقنعت اهلك وقد عجزت من قبل بإقناعهم بنمط حياتك فأجابتني أن عملها أثناء دراستها منحها بعض من الاستقلال جعلها تملك زمام أمورها ، أي أنها سعت لاختياراتها حتى اقتنعوا .
لم تمنعنا وقتها أرجحة الحافلة علي الطريق من الحديث فاستطردنا في الحوار كنت انظر لها بدهشة وإعجاب ،ينهرني الطريق بعنف فاستند عليها وهي رغم ضآلة حجمها ثابتة في موضعها ، وإذا اهتزت أحاول إسنادها .
وتكرر الأمر مرتان لنستأنف فيه الحوار نتذكر عملنا التطوعي ،تحدثني عن ارتباطها نفسيا بأيامنا تلك وكيف أثرت في أفكارها فاتخذت التغيير والنجاح هدف وأحدثها عن رغبتي العارمة في الاطمئنان علي كل من شاركونا العمل قديما؛ أصحاب المواهب والمبادئ والطاقات الغير موجهة الراغبين في نهضة بلادهم وتحقيق ذواتهم ، عن ولعي بالأدب والجرافيك ولعنة الفن المبتلاة بها .
محطة الأتوبيس تعج بالمسافرين الآن من طلبة الجامعة وغيرهم ولا أمل لنا وعلينا أن ننتظر الحافلة القادمة، انتهزت فرصة الانتظار وسألتها عن حياتها لتخبرني أنها تخرجت مازالت تعمل في الترجمة عن بعد وسبب تواجدها في الإسكندرية حصولها علي منحة للحاسب واللغة الانجليزية وأنها تسعي لمنحة دراسة في الخارج تتمني أن تفوز بها ،سألتني عن حياتي فأخبرتها أنني اعمل أيضا عن بعد في مجال التصميم مع احدي وكالات الدعاية ومازلت اكتب عل احد يقرأ وتواجدي في الإسكندرية لقضاء حاجة ما .
شتتنا الزحام أثناء محاولتنا المستميتة لاستقلال حافلة للرجوع ،داخل الحافلة ابحث عنها بين المقاعد فإذا بها تستقل حافلة أخري ، أراقب وجهها من خلف الزجاج أتأمل هذا الملاك داخل أتوبيس غرب الدلتا ،كنت قديما أمارس عليها سلطة فنية وأنا في قبعة المخرج وكلنا هواه ، واليوم اجلس بين يديها كتلميذة صغيرة أتعلم التخطيط للنجاح وهي محترفة، ويذوب بيننا هذا العام الذي ولدت فيه قبلها .
كلا منا داخل حافلته ولكنني أثق أنها سوف تصل أولا .
تعقيب
: ريهام ماجد " ملاك غرب الدلتا " اعلم انك لن تقرئين همستي تلك ، ربما لا تعلمين أصلا بأمر مدونتي فتعاملك مع الانترنت قاصر علي تسليم وتسلم العمل بريديا لكنها همسة امتنان مني ، همسة امتنان لك ولو أن هناك 100 ريهام ماجد لصلح حال هذه الأمة ،كلي يقين أنني سوف أخبرك بأمرها عندما نلتقي صدفة قدرية داخل أتوبيس غرب الدلتا
همسه امتنان لكل صناع الحياة في مصر وخاصة جمعيه صناع الحياة بالبحيرة والتي جمعتنا معا وكنت يوما ممن سعوا لإقامتها ، امتنان للجنة الإعلام ، امتنان لفريق المواهب صاحب الاسم الحركي الغير معلن (فريق الكوارث ) الذي لم يقدر لي أن أحافظ علي استمراره .
امتنان لحياتي الماضية وكامل الرضا عنها لان بها ملائكة مثلك ، وامتنان للأمل المتجسد في شخصك .
همسه امتنان لكل صناع الحياة في مصر وخاصة جمعيه صناع الحياة بالبحيرة والتي جمعتنا معا وكنت يوما ممن سعوا لإقامتها ، امتنان للجنة الإعلام ، امتنان لفريق المواهب صاحب الاسم الحركي الغير معلن (فريق الكوارث ) الذي لم يقدر لي أن أحافظ علي استمراره .
امتنان لحياتي الماضية وكامل الرضا عنها لان بها ملائكة مثلك ، وامتنان للأمل المتجسد في شخصك .
تمت بفضل الله ،
شيماء زايد
4/10/2009
4/10/2009
8م

.jpg)
